العاطفة حين تلبس ثوب (التحليل السياسي ).
أن تكونَ محلِّلاً سياسياً بارعاً، فمعنى هذا أن ظواهرَ الأمورِ لا تخدعك، والخطب الجماهيرية لا تقوى على العبثِ بعقلك، وموقفك مما يدورُ حولك تحكمه المعرفةُ و البصيرةُ وليس الانفعال العاطفي.
ليس من المستغربِ أن تتحرك عواطف الدَّهماء مع خطبِ وعنترياتِ (حسن نصر الله )، في ظلِّ واقعٍ أليمٍ يتسمُ بالتخاذل والانكسار والافتقار للنماذج البطولية الصادقة. لكن الذي يستغربُ أن تلبس هذه العواطف الثائرة ثوبَ الخبرة والتحليل السياسي!
مرةً ثانيةً، وبالطريقـة نفسـها عادَ صاحبي لتناولِ الأزمـة اللبـنانية الأخيرة في مقـالةٍ له بعنـوان: (الحرب بعد فعلِ الحزب ). وقد ذكر الصاحبُ في مطلع مقالته: أن الذين أدمنوا الهزيمةَ والتبعيةَ استبشروا بأن السلاحَ وقعَ في نحورِ أهلِ السُّنةِ، لا فرحاً بموت السنةِ ربما، ولكن فرحاً بخطأ المقاومة.
و ذكرَ الصاحبُ: أن هؤلاء يفرحون بما يسرُّ الغزاةَ، لأنهم أصبحوا من إعلام الغزاةِ ثقافةً ومصيراً، ولأنهم يفرحون بمزالقِ المقهورينَ الباحثين عن النجاةِ والصاعدين من رمادِ الهزائمِ.
هذا ما قاله صاحبي، و لا جديدَ عندي في كلامهِ. فهو بالأمسِ وصف المحذِّرين من الأهداف الطائفية لحزب (حسن نصر الله )، بأنهم يحلبون في قدحِ العدو ويخدمونَ مشاريعه، و اليومَ عادَ ليؤكِّدَ أن هؤلاء يمثلونَ إعلامَ الغزاة، و يستبشرونَ بوقوعِ السلاحِ في أهل السنة، ويفرحونَ بمزالق المقاومة الشريفة!
لو قارنا هذه الهجائيات بخطب (حسن نصر الله ) زعيم الحزب، فسنرى تطابقاً يكاد يكون تاماً. فالاثنان كلاهما يصور الوضع في لبنان وفيما جاوره على أنه صراعٌ محصورٌ بين طرفين:
طرف يمثل العدو الأمريكي الصهيوني. وهؤلاء على حد تعبير الصاحب ليس لديهم (من عقيدة متفق عليها إلا الطاعة لما يشتهيه السادة في واشنطن وتل أبيب ).
يقابل هؤلاء طرفٌ آخر يمثلُ مقاومةَ الشرفاء النظيفين (الباحثين عن النجاةِ والصاعدين من رمادِ الهزائمِ ).
هذه الصورة التي يرسمها (نصر الله ) في خطبه، لا يوجَد فيها سوى لونين: (أبيض نقي طاهر )، يقابله (أسود حالك مظلم ).
و من الواضحِ أن هذه الخطبَ فعلت فعلها في وعي صاحبي، فصارَ يعيد و يكرِّرُ صياغتها في مقالاته ذات الصبغة العاطفية، التي يكتبها تحت عنوان (التحليل السياسي )!
لن أعترضَ على حديثه عن اللون الأسود، فذاك لونٌ بتنا نصبح ونمسي ونحن نراه يجلِّلنا من كل جانبٍ. لكنْ اعتراضي على أوهامِ اللون الأبيض النقيِّ الطاهر الذي يحاولُ صاحبي أن يخرجه من مخيلته إلى عالم الوجودِ في أرضِ لبنان.
يقولُ صاحبي معلقاً على اعتداءات حزب (نصر الله ) الأخيرة في بيروت: (ما إن فرح العربُ بالمقاومة فإذا هي تنعطف للجهة الخطأ ). ويقول: ( لما انعطف التوجه فتغير، فستتغير النظرة ما لم يكن للحزب قدرةٌ على التخلص من العيب ).
هذا ما قاله الصاحب ـ رضي الله عنه ـ فهل أصابَ في توصيفه؟ وهل حدث ـ بالفعل ـ انعطافٌ حقيقي أو تغيرٌ في أهداف الحزب؟ أو أن ظروف المرحلة تغيرت، مما فرضَ بروز الأهداف الحقيقية على السطح؟
إذا تركنا العواطف جانباً، فلن نرى تغيراً مفاجئاً في أهداف الحزب وسياساته. كل مافي الأمرِ أن الطرفَ الآخرَ المقموعَ استشعرَ بعض القوةِ، فتجرأ و رفع صوته، عند ذلك ظهرت الصورة الحقيقية لـ (المقاومة النظيفة ) التي لم يكن يبصرها المحلِّل العاطفي. أعني بذلك: حقيقة أن عملَ الحزبِ الحقيقي موجَّهٌ للداخلِ أكثر مما هو موجَّهٌ للخارج، كما أنه مدفوعٌ من الخارجِ أكثر مما هو مدفوعٌ من الداخل. غير أنه فيما مضى لم يكن بحاجةٍ لإشهار السلاح بالداخل علناً كما وقعَ ذلك في الأحداثِ الأخيرة.
حينَ كان نصر الله يقسم ويؤكد أن سلاح المقاومة سلاحٌ نظيفٌ موَجَّهٌ فقط للعدوِّ الصهيوني، وحين كان يعلن أنه لا يمكن أبداً أن يتوجَّه هذا السلاح للإخوة والأشقاء في الداخل، حينذاكِ لم يكن ثمة أحدٌ يستطيعُ تحدي الحزبِ، و لم تكن هناك حاجةٌ لرفع السلاح في وجه (الأشقاء! ). فكان من السهلِ عليه إطلاق مثل هذه الأيمان والأقسام المغلظة.
لكن مع تغير الموازين في الداخل بعد انسحاب الجيش السوري، وبعد الدعم الذي حضي به الحريري ورفاقه، لم تكن أيمانُ نصر الله القديمة لتمنعه من رفع السلاحِ وتوجيهه للأشقاء(! )، كي يحافظ على نفوذه ومكاسبه التي جناها برفعه شعار مقاومة الصهاينة.
موقف الحزبِ لم يفاجئ العارفين بأهدافهِ. لكن الذين أغمضوا أعينهم عن انتماءاته السياسية، وتركيبته الطائفية، و ولاءاته الخارجية، تجاهلوا ذلك كله، و بنوا تصوراتهم على ما يسمعونه من خطبٍ عصماء عن نظافة المقاومة، وعن اللحمة الوطنية اللبنانية. فهؤلاء هم الذين يتحدثون اليومَ عن (انعطاف المقاومة للجهة الخطأ )!
من المؤلمِ لنا أن يتحدثَ فاضلٌ مثل صاحبنا عن فرحنا بتحول السلاحِ إلى نحورِ أهلِ السُّنةِ، ونحن الذين لم نتحدث ولم نكتب إلا شفقةً من مثلِ هذا اليوم، وخوفاً على تلك الدماء البريئة التي كان صاحبنا يعُد خوفنا و إشفاقنا عليها تحليلاً عقدياً ساذجاً، وحلباً في قدحِ العدو، و خدمةً لأهدافه.
وصاحبنا في مقالته الأخيرة عاد لتلك الأسطوانةِ الأولى، فلم ينسَ الحديثَ عن أوهامِ الذين يصنِّفونَ الصراع في لبنان على أنه صراعٌ بين سنة وشيعة. و أكد أن (مواقف أتباع الصهاينة أكثر انسجاماً مع باطلهم وأنفسهم، من مواقف كثيرٍ من المتديِّنة العقائديين الغارقين في تناقض لا يثمر علماً ولا عقلاً ولا مصلحةً ).
والحجة القاطعة التي يقدمها صاحبنا في نفي البعد الطائفي عن الصراع اللبناني: أن هناك حكوماتٍ سنية تقف ضد منظمة حماس وجماعة الجهاد السنيَّتين، في حين هناك شيعة يؤيدونَ الحركتين. وأن الحكومة المصرية السُّنية ترسل النفط لإسرائيل، وتحارب حماس السنية في غزة. و أن حسني مبارك السنيَّ يبدأ انتخابات كل سنة بسجن الإخوان المسلمين السنة، وأن حزبَ الحريريِّ والسنيورة يتضمن اشتراكيين ودروزاً ومسيحيين. كما أن هناك مشايخ سنة مع حزب الله مثل فتحي يكن وقسم من الإخوان المسلمين، وقسمٍ من الدروز و المسيحيين.
وبناءً على وجودِ هذه التحالفات نفى صاحبي البعد الطائفي عن الصراع القائم في لبنان. ثم سمَّى كلامه هذا تحليلاً سياسياًً!!
ففي رأي صاحبي وتحليله السياسي: لا يمكن ـ أبداً ـ أن يكونَ هناك بعدٌ طائفي لما يجري بلبنان، حتى يتوقف حسني مبارك عن سجن الإخوان المسلمين، وحتى يكفَّ عن محاصرة حماس في غزة، و حتى يخرجَ الدروز والنصارى من تكتلِ سعد الحريري، وحتى ينسحب فتحي يكن ومن معه من صف حزب نصرالله. فإذا تمحَّضت الصفوفُ، ولم يبقَ إلا جيشٌ سنيٌّ خالصٍ يقابله جيشٌ شيعيٌّ خالصٌ، فعند ذلك من الممكن أن يستخدمَ صاحبي أدواته في التحليل السياسي كي يكتشفَ البعدَ الطائفي للصراع!
وأخشى لو وقع هذا كلُّه أن يكتب الصاحبُ عن أوهام العقديين، الذين يتصورون أبعاداً طائفية للصراع في لبنان مع أن الملك محمد السادس (السُّني ) في المغرب يضيق على جماعة العدل و الإحسان السُّنية، وزين العابدين بن علي (السُّني ) في تونس يطارد فلولَ حزب النهضة، و الحكومة السعودية (السُّنية ) تقيم علاقاتٍ رسميةً مع إيران الشيعية، و تخوضُ صراعاً دامياً مع تنظيم القاعدة السُّني!
هذا هو المنطق الذي يتحدَّثُ به الصاحب!
وهو نفسه المنطقُ المحكومُ على من لا يقبله بالجهل و السذاجة!
تلك التحالفات في لبنان التي يتكئ عليها الصاحب في تحليلاته يوجد مثلها بالعراق، ولا أظنُّ أحداً ينفي البعد الطائفي للصراع الدائر هناك. فحكومة المالكي ـ بحرسها الوطني ـ حكومة طائفية بامتيازٍ، و مع ذلك يوجد في صفوفها سنة من الإخوان المسلمين ومن الأكراد، ومن النصارى أيضاً. والجيش الأمريكي بأكمله يدعمها، وكذلك جملةٌ من الحكومات السنية، ومعهم الحكومة الإيرانية الشيعية. ويوجدُ بين تلك الحكومة وبين التيار الصدري الشيعي عداءٌ ودماءٌ. فهل يعني هذا أنها حكومةٌ بريئةٌ من الطائفية، أو أنه لا يوجد بالعراق صراعٌ سني شيعي؟!!
أوضح من ذلك أن الحرب التي اشتعلت في لبنان في السبعينات الميلادية كانت حرباً طائفية باتفاق الجميع، وكان يوجد فيها مثل هذه التحالفات التي يجعلها الصاحبُ دليلاً قاطعاً على أوهام من يتحدَّث عن بعدٍ طائفي للصِّراع الحالي في لبنان.
نعم ليس كل ما يجري بلبنان يدور حول ثنائية (سنة، وشيعة ) كما يصر صاحبنا أن يضع مثل هذا الكلام في أفواه من يسميهم (عقديين ). كما أن ما يجري في العراق لا يمكن أن يكون كله صراعاً حول ثنائية (سنة ، شيعة ). فليس هذا مقصود من يتحدث عن البعد الطائفي للأحداث. فهناك صراعاتٌ أسبابها وأهدافها مختلفة، لكنها تدفع باتجاه توسيع رقعة التشيع، لتحقيق مكاسب قد لا يكونُ لها بالضرورة علاقة بالعقائد.
الجميع في لبنان يسعى لحراسة مصالحه، بدءاً من الصهاينة والأمريكان، وانتهاءً بالروافض. وحين يتحدثُ أهل السنة عن مصالحهم الخاصة، يبرز من صفوفهم من يصف صنيعهم بالطائفية وضيق الأفق، ويظلُّ يجتر حديثاً حالماً عن ضرورةِ الاتحاد في وجه العدو المشترك. ولعل جميعَ الأطراف هناك قد صنَّفت أهلَ السنة عدواً مشتركاً.
لبنان منذ ما يقربُ من نصف قرنٍ و هو ساحة صراع للدول والطوائف. و في ظني أنه لا يوجد في العالم الإسلامي كله أوضح من التقسيمات الطائفية الصارخة في لبنان. وحزب (نصر الله ) لم يخرج قط عن هذا السياق، فالبعد الطائفي فيه واضحٌ كلَّ الوضوحِ، لا من جهة تركيبته، ولا من جهة تصريحات قادته، ولا من جهة مبادئه، ولا من جهة امتداده الخارجي. غير أن الذلَّ الذي تعيشه الأمة المسلمة جعل لمنطق القوة الذي يتحدث به (نصر الله ) بريقاً غطى أعين الكثيرين عن الحقيقة الواضحة أمامهم. وهذه الصورة تكاد تطابقُ نظيرتها القديمة، حين كانت خطب عبدالناصر وعنترياته تجعل كلَّ معارضٍ له عميلاً للعدو.
الحقيقةُ التي يعلمها الجميع، ويتجاهلها الكثير: أن حزب نصرالله بعد الحرب الأخيرة مع اليهود، وقَّع اتفاقية وقف إطلاق النار، و ابتعد عن الحدود مع دولة اليهود، وحلت مكانه القوات الدولية، والتزم بعدم إطلاق قذائفه على الشمال الإسرائيلي. فأصبحَ موقفه بالتالي مطابقاً لموقف سائر الحكومات العربية. وحيثُ لم تعُد ورقة المقاومةِ صالحةً لتبريرِ بقاء الحزبِ واستمراره كياناً مستقلاً (دولة داخل دُويلة )، توجه الحزب للداخل للمحافظة على مكاسبه، فأشهر سلاحه (النظيف! ) بوجه (الأشقاء! )، بحجة أن: (اليد التي تمتد لسلاح المقاومة سوف تقطع ). وهي المقاومة التي وقعت على اتفاق عدم المقاومة!
لديَّ سؤالٌ أتمنى من صاحبي ومن يوافقه أن ينظروا فيه:
نحن جميعاً نتفق على أن حكومة السَّنيورة ورفاقه حكومة علمانية خالصة تبحث عن السلامة، و لا تحمل همَّ المقاومةِ ضد الصهاينة، و لا يختلف موقفها عن موقف سائر الحكومات العربية المنبطحة للعدو.
بينما (حسن نصر الله ) ورفاقه يحملونَ شعار المقاومةَ، ويرفعون راية قتال الصهاينة.
لكنهم يفعلون هذا ما داموا في المعارضة.
فماذا لو وقفَ نصر الله يوماً من الأيام على رأس الحكومة اللبنانية؟
هل سيستمر في المقاومة وإطلاق صواريخ الكاتيوشا؟ أو سيأخذ دوره في الانبطاحِ و مقاومةِ المقاومة؟؟