حتى يكون المرء عزيزاً مرفوع الرأس ، لابدَّ أن يكون مقتنعاً داخل نفسه أنه عزيزٌ بالفعل. ومهما حاول الذليلًُ أن يرفع رأسه ويشدَّ قامته للأعلى، فسوف يعود في النهاية ليطأطئ وينحني، ما دام الذُّل والهوان يسكن قلبه.
في بلاد الهند التي تعدُّ أكبر تجمُّع "ديموقراطي" على وجه الأرض، والتي حققت لنفسها منجزاتٍ ضخمةً في مجال التعليم والاقتصاد والتصنيع التقني والعسكري. في هذه البلاد لا زالت هناك طبقةٌ محتقرةٌ رضيت لنفسها بالسُّكون أسفل سلم المجتمع الهندوسي الذي يعتمد تصنيفاً طبقياً يمتدُّ عمره إلى أكثر من ألف وخمسمئة عام.
هذا التصنيف يقسم الناس إلى أربع طبقات أدناها طبقة تحمل اسم "شودرا" ومعناها : "المنبوذون".
وهناك ثلاث طبقات أخرى أولها طبقة "البراهمة" ، وهم حسب العقيدة الهندوسية مخلوقون من رأس إله الآلهة : (براهما )!
وهناك طبقة "كاشتريا"، المخلوقة من يدي إله الآلهة!
تليهم طبقة تدعى "فايشا" المخلوقة بزعمهم من فخذ إله الآلهة!
أما المنبوذون "شودرا" فهم مخلوقون من رِجل إله الآلهة (براهما )!!
هكذا بلغت الذلة والدناءة بأولئك القوم، فهم يعتقدون موقنين أنهم مخلوقون من رجلِ إلههم، لذا فهم راضون بالدون، ولديهم قناعة راسخة أنهم لا يستحقون أن يكونوا كالآخرين الذين خلقوا من فخذ الإله ويده، فضلاً عمن خُلقوا من رأسه!
ولعل إلههم (براهما ) اعتاد المشي حافياً، إذ لو كان له نعلٌ لاعتقد "المنبوذون" أنهم مخلوقون من نعله اليسرى.
هذه الطبقة المنبوذة تعتبر نجسةً حسب العقيدة الهندوسية، وأبناؤها لا يعملون إلا في الحرف الوضيعة، كالتنظيف والكنس وتنظيف المراحيض. ولا يسمح لهم بدخول بيوت أسيادهم من الطبقات الأعلى. وفي الأماكن العامة لا يأكلون ولا يشربون إلا في آنية خاصة بهم بسبب نجاستهم.
ورغم وجود قوانين ومحاولات عدة لتخليص هذه الطبقة من آثار ذلك التصنيف الجائر، إلا أن هذه المحاولات لم تنجح في اجتثاث هذا البلاء. فالطبقات العليا في السلم الاجتماعي الهندوسي حريصة على الحفاظ على تميزها وترفعها. يساعدها على ذلك أن أولئك "المنبوذين" اعتادوا على الذل والهوان ودناءة النفس والشعور بالنقص أمام أسيادهم البراهمة.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - -
كثيراً ما أتذكرُ بلاد الهند ومنبوذيها إذا قرأتُ لبعض بني قومي من المنسوبين للثقافة والفهم ورأيتُ طريقة تعاملهم مع ذلك الشيء المسمى بـ "الآخر".
ذاك "الآخر" مهما بصق في وجوهنا، ومهما وطئ رقابنا، أو دمَّر أوطاننا، و سفك دماءنا، فنحن لا وظيفة لنا في هذه الدنيا إلا السعي الدؤوب وبذل الوسع والطاقة في إقناعه بأننا متسامحون للغاية، ولا نحمل في قلوبنا أدنى مثقال ذرةٍ من غلٍ أو حقدٍ تجاهه.
حين أرى ذلك أتساءل : إن كان أولئك الكَتَبة يعتقدون أنهم ـ أيضاً ـ "منبوذون" مخلوقون من رِجل أو أصبع أو نعلِ الإله : "آخر"؟!
والغريب أن سعادة "الآخر" كلما ازداد تجبراً وتكبراً وإجراماً، كلما ازداد أولئك المنبوذون استكانةً وذلةً وهواناً.
ويبدو أن هذا الداء ليس جديداً على بعض قومنا. فالدكتور محمد محمد حسين - رحمه الله - يذكر في كتابه "الاتجاهات الوطنية" أن الإنجليز أثناء احتلالهم لمصر : "ظلوا يتهمون المصريين بالتعصب الديني، ويكررون هذه التهمة في كل مناسبة وفي غير مناسبةٍ، حتى توهم المصريون أن التعلق بالدين عيبٌ ذميمٌ يجب أن يبرأوا منه. وظلت صحفهم وكتابهم يتحدثون عن التسامح والإنسانية، حتى توهم بعض السذج أن من سمو الخلق وسعة الأفق ورحابة الصدر أن تحب الناس جميعاً، حتى المعتدين منهم"
تخيَّلوا معي: أرضٌ مغتصبةٌ محتلةٌ ، وشعبٌ مهانٌ يحدِّث الغاصبين عن تسامحه معهم!
هكذا يكون تصرُّف المهزوم حين يسكن الذُّلُ قلبه وفؤاده. فهو لا يرى في نفسه إلا النقص، ولا يرى في جلاديه إلا معاني الكمال والنزاهة.
وعلى العكس من ذلك يكون حالُ من تشبعت نفسه بمعاني القوة والعزة والسيطرة. ففي أواخر عام (1423هـ ) أجرى الاتحاد الأوربي استفتاءً (في أوربا ) لمعرفة رأي الأوربيين في أشد دول العالم خطراً على السلام العالمي.
لم يختر الأوربيون أفغانستان، ولا السعودية ، ولا كوريا الشمالية ، ولا إيران.
بل جاءت النتيجة أن أكثر من 59% من الأوربيين يعتقدون أن دولة إسرائيل هي الأخطر. تليها الولايات المتحدة الأمريكية.
بعد إعلان نتيجة الاستفتاء لم يرضَ الإسرائيليون لأنفسهم أن يكونوا محلَّ تهمة. ولم تقم الصحف الإسرائيلية بحملة على الثقافة اليهودية، ولا طالب كتاب الصحف الإسرائيليون بتغيير مناهج التعليم وبرامج التربية والإعلام. بل قلبوا الأمر، وجاءت ردة فعلهم معاكسة لنتيجة الاستفتاء، فقد عبَّروا عن غضبهم من الشعوب الأوربية ، ووجهوا إليها تهم التعصب، وقالوا: إن نتائج الاستطلاع "محزنة وخطيرة" وأنها تؤكد أن مشاعر معاداة السامية لا زالت متأصلة في المجتمعات الأوربية!
بالطبع : فإن هذا المنطق القوي المتعالي في الحديث مع "الآخر" غالباً ما يأتي بنتيجة حاسمةٍ؛ فقد بادر (رومان برودي ) رئيس المفوضية الأوربية للاعتذار من الإسرائيليين والتنصل من نتائج الاستطلاع.
أما الأمريكيون ، الذين يحملون سجلاً أسود في جرائم القتل والتدمير، فقد استخفوا بنتيجة الاستفتاء، وأكدت وزارة خارجيتهم أن الأمريكان في الواقع هم حملة رسالة الحرية والسلام في العالم أجمع!
يقول الأمريكان هذا الكلام ، و هم أصحاب جريمة هيروشيما وناجازاكي التي تعتبر أكبر عملية قتل واستهداف للمدنيين في التاريخ الحديث.
العجيب في الأمر أن "المنبوذين" عندنا يصدقون مثل هذا الدجل والتزوير. فمهما رأوا بأعينهم فإن الذل والهوان يجعلهم يكذبون أعينهم المنبوذة، ويصدقون أعين أسيادهم من "البراهمة" الأمريكان.
يرون صور النساء والأطفال من ضحايا قصف القرى والمدن الفيتنامية بقنابل النابالم.
وتنقل لهم عدسات التلفزة أخبار مذبحة قلعة جانجي بأفغانستان.
ويرون بأعينهم صور الجنود الأمريكان وهم يقتلون الجرحى في مساجد الفلوجة.
ثم صور مآسي وفظائع سجن أبي غريب ، ثم فضائح معتقل جوانتنامو.
ويسمعون أخبار المعتقلات السرية في دول أوربا.
فضلاً عن جرائم اليهود ذراع الأمريكيين في المنطقة.
كل هذا لا قيمة له، ويكفي في مسح آثاره أن يعلن مسؤول أمريكي عن فتح تحقيق هنا أو هناك، أو فصل جندي من الخدمة العسكرية. ليصفق "المنبوذون" عندها لعدالة أسيادهم من براهمة البيت الأبيض.
يقتل "البراهمة" أكثر مائة ألف عراقي، ثم يصفق "المنبوذون" لعدالتهم حين حاكموا صداماً لقتله مائة وخمسين عراقياً في الدُّجيل!
هكذا هم المنبوذون : غباء ،، ذل ،، هوانٌ ،، استكانةٌ ،، خضوع ،، دناءة نفس.
لعقودٍ مضتْ ظل الأمريكان وسائر الغربيين يدخلون بلادنا ويخرجون، يذرعونها طولاً وعرضاً، آمنين على أنفسهم وأموالهم.
ورغم جرائم حكوماتهم ضدنا، ورغم امتصاصهم خيرات بلادنا، لم يكن أحدٌ يعرض لهم بسوء. بل ربما كان أمنهم على أنفسهم وأموالهم عندنا أكثرَ من أمنهم في بلادهم.
وعندما تراكمت المظالم والجرائم وتحرك تنظيم القاعدة لضرب البرجَين الشهيرين، عندئذٍ تسابق "المنبوذون" ليوسعونا جميعاً ذماً وشتماً. وبين عشيةٍ وضحاها اكتشف "المنبوذون" أننا منذ الأزل إقصائيون حاقدون، وثقافتنا ثقافة كراهية وبغضاء، ومناهجنا مفخخة، ومساجدنا مليئة بالأفكار الملغَّمة ضد "الآخر" اللطيف البريء المسكين.
بل تاريخ أمتنا كله أصبح تاريخاً أسود دموياً لا يعرف التسامح ولا السلم.
ومهما حلفنا وأقسمنا وتبرأنا، فنحن ـ بالتأكيد ـ المتسببون في زعزعة السلام العالمي الذي يدافع عنه "براهمة" البيت الأبيض.
وقبل أن يستوعب الغربيون أن حادثة سبتمبر ثمرة تصرفات حكوماتهم ضدنا، إذا بالمنبوذين يتسابقون ليركعوا بخضوعٍ وذلٍ بين يدي أسيادهم البراهمة ليعلنوا إيمانهم ببرءاتهم من كل سوءٍ، وقناعتهم أن النجاسة والقذارة كلها في المشرق، والنظافة والنقاء كله يقبع في المغرب.
وفي الوقت الذي سعت جميع الأطراف لتوظيف الحادثة لصالحها، إذا بمنبوذينا الأذلة يجتهدون في صب اللعنات على قومهم.
قارنوا ذلك الموقف الغبي الذليل بموقف اليهود من الاستفتاء الأوربي.
وتذكروا أن الله وصف اليهود بالذلة والهوان.
عندها سوف تعلمون أن "المنبوذين" من قومنا أشدُّ ذلةً وهواناً من اليهود.